تعرض دراسة الحالة هذه، استمرار التهديد بالاعتقال بحق ممرض في درعا جنوبي سوريا رغم خضوعه لتسوية أجرتها الحكومة عام 2018، ما أدى لعدم تمكنه وآخرين من العودة لممارسة مهنهم واستمرار القيود على تنقلهم.
هل يُصنَّف ما يتعرض له الممرض انتهاكاً بحقه؟ وهل من سُبل قانونية لاستعادته حقه في العمل والتنقل؟
طلبات مرفوضة
يعاني خالد أيوب (36 عاماً)، وهو اسم مستعار لرجل في درعا جنوبي سوريا، من رفض الحكومة السورية إعادته لوظيفته في القطاع العام، رغم خضوعه لإجراءات “اتفاقات التسوية” منذ العام 2018، بينما يمنعه التهديد بالاعتقال من التنقل خارج حيه.
تقدّم الشاب العامل في قطاع الصحة طلب العودة لوظيفته لثلاث مرات، آخرها كانت عام 2022، إلا أنه واجه في جميعها الرفض، كما تم تهديده من قبل جهة أمنية بالاعتقال في حال حصل على الموافقة وعاد للدوام.
يقول خالد الآن: “أمتنع عن ارتياد أماكن عمل وسط المدينة لخوفي من الاعتقال على يد الأفرع الأمنية المتمركزة هناك، أعتمد على فرص مؤقتة لرعاية مرضى في المنازل أو العمل مع صيادلة وأطباء في الضواحي والأرياف”.
وورد في المادة 38 من الدستور السوري أن “لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة أو مغادرتها إلا إذا منع من ذلك بقرار من القضاء المختص أو من النيابة العامة أو تنفيذاً لقوانين الصحة والسلامة العامة”.
كما يعتبر الدستور في المادة 40 أن “العمل حق لكل مواطن وواجب عليه، وتعمل الدولة على توفيره لجميع المواطنين”.
ويقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه “لكلّ فرد حق في حرية التنقل وفي اختيار محل إقامته داخل حدود الدولة”.
القيود التي فرضت على خالد لم تجرده فقط من حقوقه الشخصية في العمل والتنقل فحسب بل أفقدته القدرة لتأمين عيش كريم له ولزوجته وطفليه، وهو ما يعد حقاً من حقوقهم الأساسية وفق الفقرة “2” من المادة 7 للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذي صادقت عليه سوريا في 3 كانون الثاني/ يناير 1976.
ورغم الانخفاض الكبير في قيمة الراتب الشهري الحكومي بعد الانهيار الكبير لقيمة الليرة السورية خلال سنوات النزاع، إلا أن العودة للوظيفة قد تكون مؤشراً على توقف ملاحقته أمنياً ما سيسمح له بالتنقل وإيجاد عمل إضافي.
“لست مذنباً”
وكان خالد موظفاً في أحد المراكز الصحية الحكومية حين بدأت احتجاجات العام 2011، التي تحولت لاحقاً لنزاع مسلح.
واستخدمت القوات الأمنية، لمرات كثيرة، الرصاص لتفريق المتظاهرين وإيقاف الاحتجاجات، ما كان يؤدي لسقوط قتلى ومصابين.
واكتسبت درعا مكانة رمزية لدى مقاتلي المعارضة باعتبارها “مهد الثورة”، ولدى الحكومة لوقوعها جنوبي العاصمة دمشق وقربها من الحدود مع كل من الأردن وإسرائيل.
واعتمدت قوات المعارضة في البداية على أطباء وممرضين لمداواة مصابين من عناصرها والمدنيين خارج المشافي الرسمية، بينما شكّلت لاحقاً فرقاً طبية باسم “المشافي الميدانية”.
يتذكر خالد أول عمل محظور قام به حين ساعد على تضميد جراح متظاهر في منزل قريب من المسجد العمري وسط المدينة القديمة.
وواظب الممرض بعد الحادثة على دوامه في المركز الصحي الحكومي رغم خشيته من الاعتقال، لكنه انقطع عن الدوام بعد تأكده من إدراج اسمه في قوائم المطلوبين.
واستمر في العمل مع المشافي الميدانية للمعارضة، لتوفير الرعاية للمصابين في ظل عدم توفر الأجهزة الطبية والكادر المتمرّس، بينما كانت قرارات الفصل تصدر بشكل جماعي معلنة أو عبر مديري المؤسسات ومعتمدي رواتب الموظفين.
يقول إن التفكير في المستقبل الوظيفي لم يكن ممكناً في وقت رأى فيه الأبرياء والمدنيين يسقطون برصاص عناصر الأمن.
كما أن الظروف الأمنية في الأحياء والمخاوف من الاعتقال قيّدت حركته ضمن درعا البلد التي بقيت تحت سيطرة قوات المعارضة حتى دخلتها القوات الحكومية في حزيران/ يونيو عام 2018.
ويعتبر القانون السوري المتعلق بنظام العاملين الأساسي في الدولة ترك العمل من الجرائم الآنية لا المستمرة وتسقط بالتقادم بمرور ثلاث سنوات، كما أن أغلب قوانين العفو الصادرة في سوريا تشمل ترك العمل، من بينها العفو العام الصادر في عام 2023.
وبخصوص الجانب الأمني، يرى خالد أن حرمانه من التنقل والعمل ليس عادلاً، فهو لم يرتكب ذنباً، بل لبى “واجباً إنسانياً” في تضميد جراح أشخاص، بينهم مدنيون وأطفال ونساء.
ونص اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة والجهات المعارضة والأهلية على دخول الشرطة العسكرية الروسية وقوات الحكومة إلى درعا البلد، وفتح مركز لتسوية أوضاع المطلوبين وإطلاق سراح المعتقلين وبيان مصير المفقودين وعودة الخدمات إلى درعا البلد.
وحصل خالد على بطاقة تسوية بعد اتهامه بالمشاركة في مساعدة “إرهابيين” طبياً من خلال المشافي الميدانية.
وكانت الوعود حينها هو عدم تعرضه للاعتقال بعد التسوية، بينما كان على المطلوبين للخدمة العسكرية الإجبارية الالتحاق خلال ثلاثة أشهر.
ملاحقة مستمرة
وحصلت اللجنة المركزية في درعا على وعود من الجانب الحكومي بإعادة الموظفين المفصولين من المؤسسات والطلاب المفصولين من الجامعات بعد التقدم بالوثائق المطلوبة إدارياً مرفقة ببطاقة التسوية.
وكان خالد يعتقد أن عودته للوظيفة سيكون إثباتاً على فاعلية التسوية وضماناً لعدم تعرضه للاعتقال ما سيسمح له بتجاوز مخاوفه والتمتع بحرية التنقل والعمل.
لكنه اضطر لممارسة أعمال مختلفة مؤقتة وفي مساحة محدودة، آخرها كمساعد مع أحد الصيادلة.
يقول الآن إنه ما من ادعاء شخصي ضده، كما أنه لم يشارك في أي نشاط محظور بعد إجرائه “التسوية” عام 2018.
وتتالت التسويات في درعا وأريافها، وتم إجلاء بعض المعارضين الرافضين للاتفاقات، بينما بقي آخرون على أمل تنفيذ ما ورد في الاتفاقات التي رعتها القوات الروسية.
ويشعر مطلوبون كثيرون، ممن خضعوا للتسويات، أن التهديد بالملاحقة والاعتقال مستمر، ومن بينهم أشخاص تم اعتقالهم بالفعل، رغم عدم وجود محاكمات أو تهم قضائية بحقهم.
ويعرف خالد أشخاصاً آخرين يعيشون في الحالة نفسها، غالبيتهم في ريف درعا الغربي، ولا يجرؤون على مغادرة قراهم بسبب المخاوف من الاعتقال.
يصف ذلك: “بإمكانك أن تتخيل حياتنا، هي عبارة عن سجن كبير”.
وأجرت الحكومة السورية تعديلات هيكلية وإدارية في أجهزتها الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، لكن خالد وغالبية من تعرضوا لانتهاكات على يد تلك الجهات يعتقدون أن “النظام لن يغير شيئاً في تعامله الأمني، وأن الملاحقات الأمنية ستستمر”.
إن ما يتعرض له خالد من تعسف في استعمال السلطة من قبل عدة دوائر حكومية سورية يشكل انتهاكاً لحقه في العمل والتنقل والأمان، في حين يجب أن يتمتع بالوضع الحمائي بموجب القاعدة 26 من القانون الدولي العرفي والتي تنص على أنه “يحظر إنزال العقاب على شخص لقيامه بواجبات طبية تتفق مع شرف المهنة”، كما أن التهديد الذي يتعرض له هو خرق للوضع الحمائي ولحقه في الأمان وفق الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.





وتقول شاهدة أخرى تقيم في الخارج وتتواصل مع نساء من جيرانها في ريف جبلة: "قتلوا جميع الرجال الموجودين في قرية الصنوبر، ولم يتمكن أحد من دفنهم".
وفي حوادث أخرى، لم يتم التمييز بين الرجال والنساء والأطفال وكبار السن، إذ طال القتل في بعض الحالات أفراد العائلة جميعاً، يقول شاهد في بانياس: "تم قتل ابنة أختي وزوجها وأبناءها الصغار".
وتفيد البيانات التي جمعتها إنسايت أن من بين الضحايا قتل 27 طبيباً/ة وصيدلانياً/ة، و4 أطفال من المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، وعامل مع وكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة، وآخرون طلاب جامعيون ومتقاعدون لا يمكن اتهامهم بالمشاركة في أعمال قتالية ضد قوات الأمن التابعة للحكومة.
وخلال العمليات، ارتكبت المجموعات المحسوبة على الحكومة الانتقالية ممارسات منافية للكرامة الإنسانية ونفذت اعتقالات واسعة دون وجود تهم أو معلومات عن المستهدفين الذين لا ذنب لهم سوى كونهم من الطائفة العلوية.
ويقدر ناشطون محليون عدد النازحين بالآلاف، بينما لم يتمكن مصابون من الحصول على الرعاية الطبية، ذلك وسط انقطاع الطرق للمشافي وانقطاع الكهرباء في اللاذقية، وأعمال نهب واسعة النطاق.
وقامت وزارة الدفاع يوم السبت 8 آذار/ مارس بإغلاق طرق ونصب حواجز للحد من أعمال النهب الواسعة للممتلكات، والتي شملت بحسب شهود الأموال والسيارات والأثاث.