تعرض دراسة الحالة هذه، انتظار عائلة إبراهيم حمه في عامودا، شمال شرقي سوريا، لابنها المفقود منذ أكثر من 11 عاماً، وجهودهم لمعرفة حقيقة مصيره، وعدم تخليهم عن الأمل رغم تعرضهم للابتزاز وتزويدهم بمعلومات قد تكون مضللة.
هل يُصنَّف ما تتعرّض له العائلة انتهاكاً؟ وهل من سُبل للوصول للحقيقة؟
“أمهلني نصف ساعة”
لازكين إبراهيم حمه، من مواليد عامودا عام 1992، مفقود منذ التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2012 حين سيطرت فصائل المعارضة السورية معرة النعمان بريف إدلب شمال غربي سوريا.
ولم تفلح مساعي العائلة، التي تعيش في عامودا شمال شرقي سوريا، في معرفة مصير ابنها، رغم حصولها على معلومات غير مؤكدة تفيد بوجوده في سجون الحكومة السورية.
لازكين كان في الخدمة العسكرية الإلزامية، ويبلغ من العمر حالياً 32 عاماً، وله شامة تحت عينه اليمنى.
ومع بداية الاحتجاجات في سوريا عام 2011، لم يكن إبراهيم حمه (70 عاماً) يتوقع أن يعمّ الصراع البلاد، ويكون سبباً في اختفاء ابنه.
وخريف العام 2012، احتدمت المعارك بين فصائل المعارضة المسلحة وقوات الحكومة السورية شمال غربي سوريا، ما دفع الوالدين للتوجه لريف معرة النعمان بهدف الاطمئنان على ابنهما.
يتذكر والده أنه أعلم ابنه في اتصال أنه ووالدته وصلا ريف المعرة بهدف زيارته، ” قال أمهلني نصف ساعة فقد حدث انفجار هنا، سأعود للاتصال معك”.
كان ذلك آخر اتصال مع لازكين، إذ اختفى بعد سيطرة فصائل المعارضة على المدينة، ولم تتوفر معلومات عن مصيره بعد استعادة القوات الحكومية للمدينة أواخر كانون الثاني/ يناير عام 2020.
وفي منطقة يتبادل فيها طرفا الصراع القصف، ويعيش سكان الأرياف في حصار بسبب تغير مواقع السيطرة، بقي الوالدان 22 يوماً على أمل أن يتصل لازكين، أو يعلموا شيئاً عنه.
خداع وابتزاز
عاد الوالدان إلى عامودا، وتوجه والد لازكين وعمه أكثر من عشر مرات للعاصمة دمشق ولمعرة النعمان دون الوصول لمعلومات مؤكدة عنه.
وبعد أشهر، اتصل أحد رفاقه ليسأل إذا ما كان قد عاد للمنزل، وقال إنه كان معه في ذلك اليوم وأصيب لازكين في كتفه، لكنه لا يعلم ماذا حدث بعدها.
بحثت العائلة عن رفاقه الآخرين، بمن فيهم من فروا بسبب المعارك واستمرار الصراع، وتابعت أسماء المفرج عنهم من السجون، وقوائم المتوفين في السجون، دون نتيجة.
وتقدر منظمات غير حكومية عدد المفقودين في سوريا منذ بداية الحرب بحوالي 100 ألف مفقود، بينما قد يكون العدد الحقيقي أكثر بكثير.
ونهاية حزيران/ يونيو الماضي، تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بإنشاء مؤسسة معنية بتحديد مصير المفقودين في سوريا وأماكن وجودهم وتقديم الدعم للضحايا وأسرهم.
لجأت العائلة لمحامين ووسطاء لاحقاً، يقولون نعم هو مسجون لدى الحكومة، دون أن ينجحوا في تأمين اتصال أو إحضار صورة أو مقطع صوت او أي إثبات على صحة المعلومة.
وقبل أربعة اعوام، قال أحد المحامين للعائلة إنه يستطيع إطلاق سراحه مقابل أربعة ملايين ليرة سورية، واستلم دفعة من النقود، لكن العائلة فقدت ثقتها به بعد أن لم ينجح في تقديم إثبات على علمه بمصير ابنها.
تقول حياة: “كان دائما يحدد تاريخاً ليعلمنا بشيء مؤكد، لكنه بعدها يتذرع بعطلة، ثم يقول إن عفواً مرتقباً سيصدر”.
أين الحقيقة؟
ما يزال والد لازكين يشعر بتغير نبضات قلبه حين يُطرق باب المنزل فيحدث نفسه: “لو يكون هو”، وتتعثر شقيقته حياة عند التوجه للهاتف كلما رن في موعد غير متوقع.
تزيد حياة: ” لن نتعب من البحث، مهما بذلنا من الجهد والمال “.
ولم توقع الحكومة السورية على الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، لكنها معنية بالإعلان العالمي لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري الصادر عن الجمعية لعامة للأمم المتحدة عام 1992برقم 133/47، وقد نصت الفقرة 1من المادة 2منه على أنه (لا يجوز لأي دولة أن تمارس أعمال الاختفاء القسري أو أن تسمح بها أو تتغاضى عنها) ما يعني مسؤولية الدولة السورية عن الافصاح أو تعقب أثر المختفي لازكين وسواه بغض النظر عن الجهةالمسؤولة بشكل مباشر عن اختفائه أو المكان المتوقع تواجده فيه أو السبب المحتمل لفقدانه.
ويعتبر الإخفاء القسري من جرائم الحرب وفق المادة /8 ومن الجرائم ضد الإنسانية وفق المادة 7من نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، كما أيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 162/44 الصادر كانون الأول/ديسمبر 1989ما جاء من توصيات في مرفق القرار الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي رقم 65 للعام 1989والتي “منعت عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي ” الذي قد يكون مصيراً محتملاً لبعض المختفين قسراً .
وفي حال كانت فصائل المعارضة هي المسؤولة عن اختفاء شخص، فهي معنية وفق القانون الدولي الإنساني العرفي واتفاقيات جنيف لعام 1949بتبيان مصيره والتعاون مع الآلية الدولية للبحث عن المفقودين في هذا الصدد .
ورغم مشاعر الأسى والإحباط المؤلمة، تتعرض عائلات الضحايا المفقودين للاحتيال من قبل سماسرة ووسطاء، قد يكون بعضهم محامون، ولا بد من تقديم شكاوى بحقهم، بالإضافة الى أهمية شمول برامج دعم عائلات الضحايا المفترض وفق الآلية الدولية للبحث عن المفقودين في سوريا بقاعدة بيانات للمفقودين وبوسائل جبر الضرر من قبيل دفع مبالغ مالية لذوي الضحايا، وإعلامهم بشكل عاجل بأي مقابر جماعية يعثر عليها وبنتائج التحقيقات القضائية مع مسؤولين سابقين لدى الفصائل الحاكمة أو النظام السوري .





وتقول شاهدة أخرى تقيم في الخارج وتتواصل مع نساء من جيرانها في ريف جبلة: "قتلوا جميع الرجال الموجودين في قرية الصنوبر، ولم يتمكن أحد من دفنهم".
وفي حوادث أخرى، لم يتم التمييز بين الرجال والنساء والأطفال وكبار السن، إذ طال القتل في بعض الحالات أفراد العائلة جميعاً، يقول شاهد في بانياس: "تم قتل ابنة أختي وزوجها وأبناءها الصغار".
وتفيد البيانات التي جمعتها إنسايت أن من بين الضحايا قتل 27 طبيباً/ة وصيدلانياً/ة، و4 أطفال من المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، وعامل مع وكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة، وآخرون طلاب جامعيون ومتقاعدون لا يمكن اتهامهم بالمشاركة في أعمال قتالية ضد قوات الأمن التابعة للحكومة.
وخلال العمليات، ارتكبت المجموعات المحسوبة على الحكومة الانتقالية ممارسات منافية للكرامة الإنسانية ونفذت اعتقالات واسعة دون وجود تهم أو معلومات عن المستهدفين الذين لا ذنب لهم سوى كونهم من الطائفة العلوية.
ويقدر ناشطون محليون عدد النازحين بالآلاف، بينما لم يتمكن مصابون من الحصول على الرعاية الطبية، ذلك وسط انقطاع الطرق للمشافي وانقطاع الكهرباء في اللاذقية، وأعمال نهب واسعة النطاق.
وقامت وزارة الدفاع يوم السبت 8 آذار/ مارس بإغلاق طرق ونصب حواجز للحد من أعمال النهب الواسعة للممتلكات، والتي شملت بحسب شهود الأموال والسيارات والأثاث.