تعرض دراسة الحالة هذه، حياة “أم سلمى” التي تواجه رفض الأقارب والمجتمع المحيط لها وابنتها في الرقة شمالي سوريا، بعد مغادرتها مخيم الهول شمال شرقي البلاد.
هل ستظل وصمة الانتماء لتنظيم داعش تلاحق أم سلمى وابنتها ؟ وكيف ستندمج من جديد في مجتمع يرفضها في ظل قوانين قاصرة تنكر حق ابنتها في قيد مدني؟
“أنا أيضاً ضحية”
“أم سلمى” هو اسم مستعار لامرأة تبلغ 30 عاماً، تقيم مع ابنتها في الرقة، بعد خروجها مع سوريين آخرين بكفالات عشائرية.
وكانت الفتاة الجامعية عام 2014، قد اضطرت للعودة من العاصمة دمشق لحضور عزاء شقيقها في منزل عائلتها بالرقة التي سيطر عليها حينها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فيما أجبرتها الظروف العائلية على الزواج من أحد عناصر التنظيم.
تقول إنها لم ترتكب ذنباً في ذلك، فظروف الحرب والتفكك الأسري دفعاها لمصيرها، ولا تعتبرُ بقاءها في منطقة سيطرة داعش كربة منزل سبباً ليراها الناس مسؤولة عن جرائم التنظيم.
“كل ما يروننا.. هدول كانوا مع التنظيم.. هدول مبين عليهم داعشيين..”
وكان تنظيم داعش قد سيطر عام 2014 على مساحات واسعة في سوريا، واتخذ مدينتي الموصل في العراق والرقة في سوريا مركزين لسلطته قبل أن تتلاشى مساحات نفوذه ويتم القضاء على آخر معاقله في الباغوز بريف دير الزور عام 2019.
ومع اقتياد عائلات عناصر داعش إلى الهول، وصل عدد سكان المخيم إلى 65 ألف فرد، لكن العدد انخفض بعد خروج دفعات سوريين وعراقيين،إلى جانب عدد من الأطفال والنساء الذين تم تسليمهم لدول اجنبية بعد توفر ثبوتبات تؤكد جنسياتهم.
وتعرضت “أم سلمى” لمعاملة قاسية لدى عودتها لمجتمعها، رغم أن المسؤولية الجزائية تلاحق شخص الجاني بمفرده وفق مبدأ “شخصية العقوبة “ولا تنتقل لذويه ممن لم تتلطخ أيديهم بالجرم.
هي تعتقد أن من الإجحاف تحميلها مسؤولية جرائم قتل واعتداء قام بها مسلحو تنظيم داعش لمجرد أنها تزوجت وعاشت في منطقة سيطرتهم، بل تعتبر نفسها كغالبية السوريات والسوريين من ضحايا الحرب.
“يحملونني ذنوب زوجي”
تتذكر المرأة زوجها الأول، وهو أحد عناصر تنظيم داعش، الذي لم تمنعه صورته التي بدا عليها وقت الخطبة كمتدين مثقف “حامل لكتاب الله” من ضربها وإيذائها، ثم طلاقها حين كانت في الشهر الخامس من حملها.
وتزوجت أم سلمى من رجل آخر بعد أن لم تتمكن من مغادرة المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم داعش، تقول إنه الآن في مركز احتجاز تابع لقوات سوريا الديمقراطية.
تعاني أم سلمى من العقبات أمام الحصول على ثبوتيات لابنتها المريضة عديمة الجنسية، والتي تحتاج لها في تنقلها لعلاجها.
وترى أنها تتحمل جزءاً من الذنب تجاه ابنتها التي ضاعت حقوقها لأن “والدها داعشي”، لكنها ترفض تحميلهما مسؤولية الحرب وجرائم القتل التي ارتكبها رجال التنظيم.
أم سلمى هي واحدة من آلاف الحالات لنساء تزوجن أو أجبرن على الزواج من أشخاص كانوا منتمين للتنظيم, بعضهن بقين عالقات في المخيمات بينما واجهت من عُدن لمجتمعاتهن الأصلية وصمة عار بسبب ذنب لم يقترفنه, بالإضافة لفقدانهن الإمكانية للحصول على حقوقهن الأساسية والمشروعة مثل حق في حياة كريمة أو حق العمل.
“أنا كنت ربة أسرة، كيف قتلت أبناءهم؟ وكيف يحاسبونني عن تنظيم بأسره؟”.
اضطرت المرأة للتوقف عن أعمال حصلت عليها بصعوبة، بسبب رفض الوسط الاجتماعي وغياب دعم العائلة، الأمر نفسه كان سبباً لإيقاف البحث عن عمل آخر.
” زملائي بالمهنة لما يشوفوني، يعرفون إني تغيبت أيام الحرب لأني تزوجت واحد داعشي.. فحكمي صار عند الكل حكم زوجي “.
قوانين قاصرة
تعتمد الطفلة “سلمى” ووالدتها في معيشتهما على صدقات بعض الخيّرين.
وخاطبت المرأة أهل زوجها الثاني حول رغبتها في الانفصال عنه، لأنه حتى في حال خروجه يوماً من المعتقل، قد لا يقبل تسجيل الفتاة على اسمه.
“تعبت بمعنى الكلمة.. سبع سنوات.. لا ارتحت ولا تهنّيت بحياتي..صدقاً ما عندي استعداد أرجع للحياة اللي عشتها”.
تحاول أم سلمى تجنب التدخل في حياة المحيطين بها، وتبدي تفهمها حتى حين تعتقد أنهم مخطئون، رغم ذلك لا تحظى بتقبلهم.
ويعاني أكثر من 7 آلاف طفل في المخيمات التي تحوي عائلات عناصر التنظيم بشمال شرقي سوريا من كونهم عديمي الجنسية, ولدوا لوالدين أجنبيين أو أب أجنبي, وحرمهم من الحصول على الجنسية السورية وبالتالي التمتع بحقوقهم الأخرى.
ونص القرار الدولي رقم 1325الصادر عن مجلس الأمن عام 2000على ضرورة دعم وحماية النساء أثناء النزاعات وفي مراحل التعافي، كما نصت المادة الأولى من اتفاقية سيداو الدولية على إلغاء كل مظاهر التمييز بحق النساء.
وتتولى منظمات مجتمع مدني مشاريع دمج العائدات من مخيمات كالهول في المجتمع المضيف وإعادة تأهيلهن، لكن المعضلة الحقيقية هي في انعدام الجنسية ومايبنى عليها من الحرمان من حقوق المواطنة كالتعليم والعمل مستقبلاً وهو أكثر ما تعانيه أمهات ليس بوسعهن الحصول على قيود مدنية لأبنائهم وبناتهم المولودين من عناصر التنظيم الذين قتلوا أو فروا أو سجنوا.
والمعلوم أن قانون الجنسية السورية لا يجيز للأم السورية منح جنسيتها لأطفالها المولودين من أب غير سوري، وهكذا لن يكون بمقدور “أم سلمى” إلا قيد ابنتها في دوائر الأحوال المدنية “كمجهولة نسب” وفق ما يسمح به المرسوم التشريعي رقم 2 لعام 2023 الناظم لحالة مجهولي النسب، وهذا من شأنه تعريض ابنتها لتنمر مجتمعي مستقبلاً .





وتقول شاهدة أخرى تقيم في الخارج وتتواصل مع نساء من جيرانها في ريف جبلة: "قتلوا جميع الرجال الموجودين في قرية الصنوبر، ولم يتمكن أحد من دفنهم".
وفي حوادث أخرى، لم يتم التمييز بين الرجال والنساء والأطفال وكبار السن، إذ طال القتل في بعض الحالات أفراد العائلة جميعاً، يقول شاهد في بانياس: "تم قتل ابنة أختي وزوجها وأبناءها الصغار".
وتفيد البيانات التي جمعتها إنسايت أن من بين الضحايا قتل 27 طبيباً/ة وصيدلانياً/ة، و4 أطفال من المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، وعامل مع وكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة، وآخرون طلاب جامعيون ومتقاعدون لا يمكن اتهامهم بالمشاركة في أعمال قتالية ضد قوات الأمن التابعة للحكومة.
وخلال العمليات، ارتكبت المجموعات المحسوبة على الحكومة الانتقالية ممارسات منافية للكرامة الإنسانية ونفذت اعتقالات واسعة دون وجود تهم أو معلومات عن المستهدفين الذين لا ذنب لهم سوى كونهم من الطائفة العلوية.
ويقدر ناشطون محليون عدد النازحين بالآلاف، بينما لم يتمكن مصابون من الحصول على الرعاية الطبية، ذلك وسط انقطاع الطرق للمشافي وانقطاع الكهرباء في اللاذقية، وأعمال نهب واسعة النطاق.
وقامت وزارة الدفاع يوم السبت 8 آذار/ مارس بإغلاق طرق ونصب حواجز للحد من أعمال النهب الواسعة للممتلكات، والتي شملت بحسب شهود الأموال والسيارات والأثاث.