تعرض دراسة الحالة هذه نموذجاً لانتهاكات حقوق ملكية المنازل في رأس العين/ سري كانيه شمالي سوريا، وتناقش المسؤولية عن محنة النازح خليل أحمد الذي عاش أفراد عائلته آمنين في منزلهم قبل العام 2019، وعانوا الكثير من الصعوبات بسبب غياب سبل العودة ومساءلة لمن استولوا على منزله.
فهل من سبل ليستعيد خليل منزله؟ وعلى من تقع مسؤولية تقديم الدعم له؟
إخلاء قسري
لا يعلم خليل أحمد (اسم مستعار)، الذي يبلغ 41 عاماً، حتى الآن، أي معلومات عن حال منزله الذي استولى عليه أحد مسلحي “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا بعد فرار العائلة من القصف والمعارك خلال العملية العسكرية التركية “نبع السلام” عام 2019.
يقول خليل إنه قضى مع أفراد عائلته خمسة أيام من القصف على محيط رأس العين، ولم يكن ينوي ترك داره، لكنه قرر الخروج مع أفراد عائلته بعد تأكده في اليوم التالي أنهم باتوا في مرمى القذائف التركية.
وتسببت العملية العسكرية التركية عام 2019 بنزوح جماعي لنحو 200 ألف شخص من منطقتي رأس العين وتل أبيض إلى مراكز إيواء مؤقتة أو مخيّمات أو منازل مستأجرة في الجزيرة السورية والرقة، ومن بينهم من هاجر خارج البلاد.
ويضيف خليل أن المدافع دمّرت منازل وشوارع في المدينة، وبغض النظر عن عدم توفر المساعدات الطارئة كالأغذية والأدوية، لم يكن ممكناً إيجاد أي بقعة آمنة للعائلات.
“حين خرجنا، شاهدت على حاجز مشرافة جثامين مدنيين ملقاة على جانب الطريق، كانت ثيابهم وجلابياتهم تدلّ على أنهم عرب وكرد”.
ويزيد بحزن: “كانت أعداد الجثامين كثيرة، لم يكن هناك أحد لانتشالها، شاهدت كلاباً تنهش من أحدها”.
القصف التركي العنيف تسبب بإخلاء قسري للعائلات التي لم تجد مأوى يوفّر لها الاطمئنان الذي كانت توفره منازلهم التي بنوها وفق عدد أفراد الأسرة واحتياجات الأطفال والمسنّين والمعاقين فيها.
وبعد خمسة سنوات من النزوح في أرياف الحسكة، يعيش خليل والنازحون الأخرون في منازل وخيام تفتقر إلى الخدمات الأساسية مثل المياه النظيفة والكهرباء والصرف الصحي ومحرومين من عيش حياة لائقة وكريمة.
وفي الوقت نفسه، بقي من استولوا على المنازل مقيمين فيها، ولا أفق لخضوعهم لأي مساءلة أو مطالبتهم بردّ الحقوق لأصحابها، ما دامت السلطات التركية تدعم انتهاكاتهم وتحول دون مساءلتهم.
وتنص المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسّفاً”.
كما أن المادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على عدم “تدمير واقتصاص الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية”
توقفت الذاكرة
يتمنّى خليل هذه الأيام صورة لمنزله، لكن كل الذين تواصل معهم يخشون أن يتسبب التقاط الصورة بالإبلاغ عمّن صوّرها ثم قيام المسلحين بالانتقام منه.
وفي عصر شاعت فيه تقنيات التواصل ومشاركة الصور والمعلومات، تتمكن العائلات السورية من التواصل مع أبنائها اللاجئين في أرجاء العالم، بينما لا يتمكّن نازحو رأس العين من معرفة أحوال منازلهم وأراضيهم، بسبب الانتهاكات الواسعة التي تهدد عودتهم أو استفسارهم عن حال ممتلكاتهم.
وعقب الاجتياح اعتدى مسلحو “الجيش الوطني” على منازل النازحين بهدف سلب محتوياتها أو الانتقام من أصحابها، معتبرين أن ذلك جزء من استكمال المعارك ضد الكرد والمتهمين بالتعامل مع الإدارة الذاتية أو قوات سوريا الديمقراطية.
يقول خليل: “أحرقوا منازل كثيرة، من بينها منزلي ومنزل شقيقي”.
وكانت العائلة قد سجلت ملكية منزلها في الدوائر الحكومية الرسمية، لكن الوثائق بقيت في الدار التي تسكنها الآن عائلة أحد مسلحي الجيش الوطني.
يتذكّر خليل تفاصيل منزله ويقارنه بالمنازل التي سكنها بعد النزوح، كان يحتوي ثلاث غرف واسعة وأثاث كامل نهبوا أغلبه وأحرقوا الباقي.
ويحاول كلّ فترة أن يعلم أحوال المدينة ومنزله من جيرانه الذين تبقّوا هناك، لكنه غالباً لا يتمكّن من معرفة الكثير بسبب الخوف الذي زرعه المسلّحون في المنطقة.
“أحد الجيران سقف منزله مطلّ على داري، أقول له فقط مرة واحدة التقط لي صورة للحوش، يقول لي إن التقطت الصورة التي تريدها قد ادفع حياتي ثمناً لذلك”.
بيع ومحاصصة
علم خليل من سكان آخرين تبقّوا في الحيّ أو عادوا إليه من الأرياف أن المسلحين كتبوا على الجدار الخارجي لداره “المنزل لفصيل جيش الشرقية”.
ولم يقبل عناصر الفصيل الخروج من المنزل مقابل المال، ولا بيعه، بذريعة أنه لعائلة كردية “ومال الكرد مباح لنا”، على حدّ ما ينقل صاحب الدار عن شهود.
وتتعارض السياسات التركية في التغيير الديموغرافي وإفراغ المدينة من سكانها، لا سيما من كانت تعتمد عليهم الأسواق في الأعمال والخدمات، مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتنص المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على “جعل ممارسة الحقوق المنصوص عليها في هذا العهد بريئة من أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب”.
وتنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه: “لا يجوز معاقبة أي شخص محميّ عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً”.
يقول خليل الآن: “كنا نعتقد حينها أنها معارك مؤقتة وأننا سنعود بمجرّد عودة الهدوء، لم يكن أحد يفكّر في الوثائق المتعلقة بالملكية، حتى بطاقات الهوية الشخصية ودفتر العائلة لم نستطع استعادتها”.
وبعد فترة من إحراق المنزل، أسكن أحد عناصر فصيل “جيش الشرقية” والدته وأخواته في المنزل، بينما يسكن هو وزوجته وأبناءه في منزل شقيق خليل في الحيّ نفسه.
وربما تمكّن البعض من التعرف على هويّة المسلّحين الذين استولوا على منازلهم ومن أي منطقة قدموا، لكن خليل يقول إن من استولوا على منزله، “لا أحد يعرف هوياتهم الحقيقية، فقط يبدون كالعصابات”.
ويذكر أن عدّة منازل لعائلة كبيرة في حيّه، قسّمها العناصر المسلحون كحصص فيما بينهم في البداية، وعرضوا محتوياتها في مزاد.
“كانت قطع الأثاث والأجهزة الكهربائية تباع بمبالغ زهيدة تعادل ربع قيمتها الحقيقية ولأيٍّ كان”.
ويعتقد خليل أن المسلحين “غالباً أحرقوا وأتلفوا كل وثائق الملكية التي بقيت في المنزل، فقد كنت وما أزال مستعداً لدفع المال مقابل الوثائق التي كانت في منزلي، لكن ذلك لم يكن ممكناً”.





وتقول شاهدة أخرى تقيم في الخارج وتتواصل مع نساء من جيرانها في ريف جبلة: "قتلوا جميع الرجال الموجودين في قرية الصنوبر، ولم يتمكن أحد من دفنهم".
وفي حوادث أخرى، لم يتم التمييز بين الرجال والنساء والأطفال وكبار السن، إذ طال القتل في بعض الحالات أفراد العائلة جميعاً، يقول شاهد في بانياس: "تم قتل ابنة أختي وزوجها وأبناءها الصغار".
وتفيد البيانات التي جمعتها إنسايت أن من بين الضحايا قتل 27 طبيباً/ة وصيدلانياً/ة، و4 أطفال من المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، وعامل مع وكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة، وآخرون طلاب جامعيون ومتقاعدون لا يمكن اتهامهم بالمشاركة في أعمال قتالية ضد قوات الأمن التابعة للحكومة.
وخلال العمليات، ارتكبت المجموعات المحسوبة على الحكومة الانتقالية ممارسات منافية للكرامة الإنسانية ونفذت اعتقالات واسعة دون وجود تهم أو معلومات عن المستهدفين الذين لا ذنب لهم سوى كونهم من الطائفة العلوية.
ويقدر ناشطون محليون عدد النازحين بالآلاف، بينما لم يتمكن مصابون من الحصول على الرعاية الطبية، ذلك وسط انقطاع الطرق للمشافي وانقطاع الكهرباء في اللاذقية، وأعمال نهب واسعة النطاق.
وقامت وزارة الدفاع يوم السبت 8 آذار/ مارس بإغلاق طرق ونصب حواجز للحد من أعمال النهب الواسعة للممتلكات، والتي شملت بحسب شهود الأموال والسيارات والأثاث.